محمد حسين هيكل
345
حياة محمد ( ص )
يبتغون وجهه ، وأولئك ختم اللّه على قلوبهم ، فلهم جهنم ولهم سوء الدار . أفيرى أولئك المستشرقون سمو الجبرية الإسلامية وانفساح مداها ؟ ! وهل يرون فساد ما يزعمونه من أنها تدعو إلى القعود عن السعي أو قبول المذلة أو الرضا بالخضوع لغير اللّه ! ؟ ثم هي من بعد تجعل باب الرجاء في مغفرة اللّه ورحمته مفتوحا دائما لمن تاب وأناب . فما يزعمونه من أنها تدعو المسلم إلى النظر لما يصيبه من خير أو شر على أنه بعض ما كتب اللّه فيقعد لذلك صابرا محتملا الضرّ والمذلّة ، بعيد عن الحقيقة في أمر هذه الجبرية التي تدعو إلى دوام الدأب ابتغاء رضا اللّه ، وإلى عزم الأمر قبل التوكل على اللّه . فإذا لم يوفق الإنسان للخير اليوم ، فليعمل لعله يوفق له غدا ؛ وله من دائم الرجاء في اللّه أن يسدد خطاه وأن يتوب عليه وأن يغفر له ، خير حافز إلى التفكير المتصل والسعي الدائب لبلوغ الغاية من رضا اللّه ، إيّاه يعبد وإياه يستعين ، منه جل شأنه الهدى ، وإليه يرجع الأمر كله . ما أعظم القوّة التي تبعثها هذه التعاليم السامية إلى النفس ! وما أوسع أفق الرجاء الذي تفتحه أمامها ! فأنت موفق للخير ما ابتغيت بعملك وجه اللّه . وأنت إن أضلك الشيطان مقبولة توبتك ما غالب عقلك هواك فغلبه وعاد بك إلى الصراط المستقيم . والصراط المستقيم هو سنة اللّه في خلقه ، سنة نهتدي إليها بقلوبنا وعقولنا ، وبتفكيرنا فيما خلق اللّه ، وبدأبنا في السعي لمعرفة أسراره . فإذا ظلّ من الناس بعد ذلك من يشرك باللّه ، ومن يبغي الفساد في الأرض ، ومن يعميه الاستئثار عن كل معنى من معاني الأخوة ، فإنما هو المثل الذي يضربه اللّه للناس ليروا عاقبة أمر اللّه فيه لتكون لهم العبرة من مثله . وهذا عدل اللّه في الناس ورحمته بهم جميعا ، لا يحول دونهما ولا يحدّ منهما أن يضلّ ضال فيناله العذاب جزاء ما قدمت يداه . ولكن ! لماذا يفكر الناس ولماذا يعملون والموت لهم بالمرصاد ، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ؟ ولماذا يفكر الناس ولماذا يعملون وقد كتب للسعيد منهم أن يكون سعيدا وعلى الشقي منهم أن يكون شقيّا ؟ هذا تكرار للسؤال الذي أجبنا عنه سقناه قصدا ، لننظر في مسألة كتاب الأجل من ناحية أخرى : فما كتب اللّه إنما هو سنّة الكون من قبل أن يبرأ الكون ، ومن قبل أن يقول له كن فيكون ، ولا أدلّ على دقة هذا التصوير من قوله تعالى : ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) . ومعنى هذا أن الرحمة صفة للّه وسنّة من سننه في الكون وليست فرضا فرضه على نفسه ؛ فالفرض لا يجوز عليه جلّ شأنه . ويقول اللّه تعالى : ( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) . فإذا ضلّ قوم لم يبعث اللّه لهم رسولا قضت سنّة اللّه ألا يعذّب منهم أحدا . وعلم اللّه باثار سنته في الكون بديهيّ لكل من آمن بأن اللّه هو الذي خلق الكون . فإذا بعث اللّه لقوم رسولا ثم قضت سنّة الكون ومشيئة اللّه فيه أن يصرّ إنسان من هؤلاء القوم على الضلال بعد إذ دعي إلى الهدى ، فإساءته على نفسه وهو لغيره عبرة ومثل . ومن السذاجة القول بأن هذا الذي ضلّ فجوزي بضلاله قد ظلم ما دام الضلال قد كتب عليه . نقول من السذاجة بدل أن نقول من التجديف ؛ لأن أبسط قسط من التفكير يهديناا إلى أن من ضلّ يظلم نفسه ولا يظلمه اللّه . وقد يكفينا في بيان ذلك مثل الأب البار العطوف يدني النار من طفله ، فإذا أراد أن يمسكها بعد بها عنه مشيرا إليه أنها تحرقه . ثم هو يدنيها منه مرّة بعد مرة ، ولا بأس بأن تحترق إصبع الطفل كي يكون له من حسه الذاتي ما ينبهه إلى الحقيقة الملموسة التي تظل ماثلة أمامه طيلة حياته . فإذا أقدم بعد رشاده فأمسك بالنار أو ألقى بنفسه فيها فجزاؤه ما يصيبه منها ، ولا تثريب على أبيه ، ولا يطلب أحد إلى هذا الأب أن يحول بينه وبينها . كذلك مثل الأب الذي يدل ابنه على مضرّة القمار أو الخمر ، فإذا بلغ الابن رشاده واجترح ما نهاه عنه أبوه فأصابه الشر لم يكن أبوه ظالما إياه ، وإن كان في مقدوره أن يحول بينه وبين ما يصنع . وأبوه أبعد عن ظلمه